الرئيسية / خاص / “كوهين” جاسوس يرفض أن يموت .. من رأفت الهجان مروراً بـ “الأسدين”

“كوهين” جاسوس يرفض أن يموت .. من رأفت الهجان مروراً بـ “الأسدين”

الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين
الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين

إياد عيسى – الغراب

مجدداً، عاد  الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين “1942 – 1965” إلى دائرة الضوء بعد نحو 47 سنة على إعدامه، وذلك على خلفية ما سربته الصحافة الإسرائيلية، عن وساطة روسية لاستعادة جثته  المدفونة في سورية وعن فشل تلك الوساطة، بعد أن أبلغت سلطات بشار الأسد الوسيط الروسي بعدم معرفتها بمكان دفن الجثة، وهي إجابة لم تقنع الروس بل أثارت امتعاضهم وفق الصحافة الإسرائيلية.

لكن للأمانة، ثمة ما يشير إلى صحة “رواية سلطات الأسد”، حيث كان الراحل “منذر موصلي” مدير مكتب الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ، ثم عضو “مجلس الشعب” أول من تحدث عن ضياع قبر كوهين في حديث لقناة “العربية” أعلن خلالها أن مكان “الجثة”  أصبح مجهولاً، إثر تحريكها من مكانها ثلاث مرات تفادياً لإمكانية سرقتها من قبل جهاز “الموساد” الإسرائيلي.

ويكشف موصلي “المكلف” من قبل أمين الحافظ آنذاك بمتابعة ملف الجاسوس من لحظة القبض عليه وحتى إعدامه  أن (كوهين دفن في منطقة المزة بدمشق  داخل بئر خُصص للغرض، لكن مكان دفنه تحول حالياً إلى مبانِ وشوارع وحدائق، ولا يستطيع أحد تحديد مكانه أو الوصول إليه).

رأفت الهجان وإيلي كوهين .. ميت كذاب “يُحيى” ميت آكذب!

ما يجعل حكاية “كوهين” أكثر سخونة هي الرواية “المصرية” التي تنسب الفضل لنفسها في الكشف عن هويته وإبلاغ الأجهزة السورية بحقيقته، وارتباط تلك الرواية بالجاسوس المصري “رفعت الجمال” الشهير بـ “رأفت الهجان”، والذي قالت الصحافة الإسرائيلية في وقت سابق من الشهر الحالي بأنه كان بدوره “عميلاً مزدوجا” وأن أجهزتها جندته فور اكتشفاها  حقيقته بعد أيام من دخوله “إليها”.

وبحسب رواية “الجمال أو الهجان”، انه تعرف على كوهين كرجل أعمال، خلال سهرة حضرها ضباط في جهاز الموساد غير أنه اكتشف حقيقته عندما شاهد صورته مع زوجته وطفليه بحوزة صديقته المغربية اليهودية التي كانت شقيقة زوجة كوهين بالمصادفة، وهي من أعلمه أن زوج أختها يعمل “كباحث” في وزارة الدفاع، وموفد للعمل في بعض السفارات الإسرائيلية بالخارج.

يضيف الجمال، أن شخصية كوهين اتضحت لديه تماماً  بإطلاعه في روما على  صحيفة لبنانية “لم يسميها”، تحتوي صورة للفريق أول المصري علي عامر والوفد المرافق له بصحبة عسكريين سوريين على الجبهة، يرافقهم القيادي البعثي كامل أمين ثابت ، وهو الاسم الذي اتخذه “كوهين” ستاراً له أثناء عمله الجاسوسي  في سورية، على مدار  أربع سنوات.

ويختم “الجمال” روايته، بأنه حمل نسخة من الصحيفة، واطلع ضابط المخابرات المصرية محمد نسيم “قلب الأسد” في مسلسل الهجان، وأطلعه على معلوماته بشان “كوهين”، وبعد تدقيقها. التقى مدير المخابرات المصرية صلاح نصر بالرئيس عبد الناصر ليطير بعدها أحد ضباط المخابرات إلى دمشق حاملاً معه “ملف الجاسوس” كاملاً إلى الرئيس أمين الحافظ شخصياً.

هذة الرواية تكذبها الرواية السورية، ويؤكد زيفها في دردشة مع “الغراب” الأمين العام المساعد للبعث لشؤون الحزب، ووزير الإعلام الأسبق الدكتور محمد أحمد الزعبي، إذ ينفي أي دور  للمخابرات المصرية في الكشف عن شخصية كوهين الحقيقية كما هو متداول، مؤكداً أن المخابرات السورية هي من كشفه عندما وردت معلومات من السفارة الهندية في دمشق حول وجود تشويش على بثها اللاسلكي، الأمر الذي دفع مدير المخابرات العسكرية حينذاك اللواء أحمد سويداني إلى الاستعانة “بالسوفييت”، الذين زودوه براشدات حساسة تمكنت من تتبع وتحديد إشارات البث اللاسلكي المجهولة، حيث تولى اللواء سويداني قيادة عملية مُداهمة منزل كوهين وقيامه بنفسه  بشل حركة كوهين تماماً خوفاَ من احتمال إقدامه على  الانتحار بتناول السم.

“جاسوس المستحيل” بين الحقيقة والأسطورة

لم ينتحر “كوهين” يومها لكن حياته انتهت  بإعدامه يوم 18 أيار / مايو 1965، بيد أن الدعاية الإسرائيلية لا تكف عن محاولة تكريس صورته كواحدة من معجزاتها، إذ يعتقد بأنها كانت وراء إنتاج الفيلم الأمريكي “جاسوس المستحيل” عام 1987، عدا إنشاؤها موقعاً الكترونياً باللغة العبرية مخصصاً له.

لاشك أن “إسرائيل” نجحت إلى حد كبير في إضفاء هالة ليست حقيقية على جاسوسها “الخارق” إلياهو بب شاؤول كوهين، وصولاً إلى تقديمه كمن نجح في اختراق القيادات العسكرية والسياسية السورية بأسرارها وخططها من رأس الهرم حتى قاعدته ابتداءً من الفريق آمين الحافظ، في حين أن روايات مختلفة تؤكد أن ما استطاع كوهين إرساله إلى إسرائيل بالفعل لم يتعدَ المعلومات العامة، فيما اقتصرت علاقاته المفيدة لنشاطه في التجسس على ضابط اسمه معزة زهر الدين الذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات، إضافة إلى مدني يدعى جورج سالم سيف.

كما ينفي منذر موصلي مدير مكتب أمين الحافظ صحة الرواية القائلة بأن كوهين أقام علاقات شخصية مع الفريق الحافظ، تمتد إلى فترة وجودهما في الأرجنتين حيث كان الحافظ ملحقاً عسكرياً فيها، وهو من دعاه لاحقاً إلى دمشق، ويوضح “موصلي” ، أن علاقة الحافظ بكوهين. لا تتعدى معرفة الأول بأن الثاني مغترب سوري التقيا مصادفة في بوينس آيرس، بل يذهب إلى أن الرئيس الحافظ. شك بعد انكشاف أمر كوهين بيهوديته من ملامحه، وأنه أخضعه لاختبارات في الإسلام كقراءة الفاتحة وأركان الدين، وانتهت بفشل كوهين، ما دعا الرئيس إلى الطلب من أحد الضباط بالتحقيق معه على أساس أنه يهودي.

لا دخان بدون نار

لعل الشائعة الأكثر إثارة وتكاد تتحول إلى واحدة من المسلمات في الحديث عن كوهين هي القول  بوصوله إلى  مراتب قيادية في حزب البعث وترشحه  لمناصب حساسة في الدولة مثل وزير الدفاع، وهو ما ينفيه بشدة القيادي البعثي حينذاك والمعارض الحالي د. محمد الزعبي، لكنه يكشف عن واقعة  يعرفها قلة من الناس، وتُشير أن “كوهين” نجح بالفعل في تحقيق نوعاً من الاختراق على مستوى القيادات،

ووفق د. الزعبي، أن مؤتمراً توافقياً عُقد عام 1964 بين جماعة أمين الحافظ “القوميين – عفلق”  وبين جماعة “القطريين – جديد”، تم الاجتماع في قصر الضيافة القديم، وجرى خلاله. اختيار أعضاء القيادة الحزبية، واستمر الاجتماع طيلة الليل وحتى ساعات الصباح الأولى، واتفق المجتمعون على إذاعة أسماء أعضاء القيادة في نشرة الساعة السابعة والربع الصباحية. فيما كانت المفاجأة أن الإذاعة “الإسرائيلية”، قامت ببث الخبر بتفاصيل الأسماء، وعدد الأصوات التي حصل عليها كل أسم، وذلك قبل ساعة من بث إذاعة دمشق للخبر، ما أثار الشكوك باختراق المؤتمر عبر أحد أعضاء القيادة المجتمعين حينها، الذين تفرقوا بعد نهاية الاجتماع. إذ توجه بعضهم إلى منزله، وآخرون لتناول طعام الإفطار في مطعم “أبو كمال” أو مطعم “غزال”، فيما يبدو أن مجموعة أو واحد من أعضاء القيادة لم يًعرف حتى الآن. توجه إلى منزل كوهين، القريب من قصر الضيافة، وسط منطقة تمركز السفارات الأجنبية.

حافظ الأسد في مقلاة كوهين

من الصعب الجزم بمدى النجاحات والاختراقات التي حققها كوهين، وإلى أي حد وصل بمستوى علاقاته بقيادات البعث، ومنها ما يتم تداوله عن علاقة  ربطته باللواء حافظ الأسد آنذاك فعلاً، وبالتالي التحقق من مدى مصداقية تقييم “مُفترض”، أرسله كوهين إلى قيادته في “تل أبيب”. يتناول فيه شخصية حافظ الأسد على نحو ما هو متداول ومفاده:

( (لاحظت، من خلال علاقاتي الواسعة مع كبار القادة العسكريين، أنهم عندما يكون حافظ الأسد موجوداً في الدعوات التي أقيمها عندي ، كان أكثرهم يتذمر من وجوده ، وبعد استفساري من بعض الضباط عن سبب تذمرهم ،كانوا يقولون لي بأنه انتهازي ودنيء ، فانشد انتباهي إليه وربطت انتهازيته ، حين كان يطلب مني الهدايا، وكنت ألبيه وأشتري له الهدايا ،. وأيضا عرفت أنه دنيء لأنه كان يأخذ من الطعام، الذي كنت أقدمه للمدعوين، ويرسله بعد انتهاء العشاء، مع الخدم إلى سيارته وتكرر هذا بكل دعوة. يرجى الإطلاع، والتوجيه).

من هو إيلي كوهين؟

“كوهين” يهودي من أصول حلبية، ولد ونشأ في الاسكنرية، عمل في شبكة تجسس “إسرائيلية” على مصر، تحت قيادة “ابراهام دار” المعروف بـ “جون دارلينغ”، والذي نفذت شبكته سلسلة من التفجيرات ضد مصالح أمريكية في الإسكندرية، بهدف إفساد العلاقة بين القاهرة وواشنطن، و عرفت لاحقاً بفضيحة “لافون”،  وألقي القبض على كوهين في مصر أكثر من مرة قبل أن يهاجر إلى “إسرائيل” عام 1957

لاحقاً،  حبكت له المخابرات الإسرائيلية “الموساد  قصة بحيث يبدو  سورياً مسلماً، يحمل اسم كامل أمين ثابت، مفادها أنه  هاجر مع عائلته إلى الإسكندرية ، ثم سافر عمه إلى الأرجنتين عام 1946 ليلحق به كامل وعائلته عام 1947.

حرص “الموساد”على اتقان “كوهين” للهجة السورية، وفرض عليه متابعة أدق أخبار سورية، وحفظ أسماء رجالات السياسة والاقتصاد والتجارة. إضافة إلى تدريبه على استخدام اللاسلكي والكتابة بالحبر السري.

بنا كوهين وجوده في الأرجنتين، على مدار عامين تقريباً كرجل أعمال سوري ناجح‏، وكون لشخصيته الجديدة هوية لا يرقى إليها الشك،‏ واكتسب وضعا متميزاً لدي الجالية العربية في الأرجنتين باعتباره رجلاً وطنياً شديد الحماس لبلده وأصبح شخصية مرموقة في “بوينس آيريس.

دخل دمشق عام 1961، ليعلن منها تصفية نشاطه الاقتصادي في الأرجنتين، والاستقرار النهائي في سورية لدواع وطنية، ومارس عمله في التجسس مدة أربعة أعوام تقريباً، قبل أن يعدم، لكن حكايته لا تزال حية، ترفض إسرائيل دفنها ما لم تستلم جثته التي يحكى أنها ضاعت .. وهذا يحدث فقط في “سورية الأسد”.

عن Arab Media Press

شاهد أيضاً

ميس الكريدي… تطالب بتغيير قانون الأحوال الشخصية

ناصر علي – الغراب بعيداً عن هذيانها الذي لا ينتمي إلى أي صنف أدبي، وعن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com